السبت , 22 يوليو 2017
شريط الأخبار
فرزات‎: أمنح المكان صبغة إنسانية تجعله يتنفس

فرزات‎: أمنح المكان صبغة إنسانية تجعله يتنفس

يرى الروائي والإعلامي السوري المقيم في الكويت عدنان فرزات، أن الوطن ليس ذلك المكان الذي ولدنا فيه، بل الوطن هو الذي ولد فينا، فالأوطان وتولد فينا حين تمنحنا مساحة تليق بنا.
ويضيف في الحوار عبر الإنترنت، أن الغربة التي يكتب عنها هي غربة مكانية وروحانية، فأرواحنا تعيش غربة الفهم والأهل والوطن.
ويقول إن البئر الأولى في مسيرته القصصية كانت مع قصة (يوسف “ص”) التي ألف عنها كتاباً كاملاً بعنوان “لا تسأل أحداً.. كتابة القصة على طريقة أحسن القصص، أما البئر الأخرى فهي “الإنسان”، بكل عذاباته وتطلعاته وحقوقه الإنسانية، ثم المكان البهي الذي أصبح بطلاً في أعمالي، فأنا أمنح المكان صبغة إنسانية تجعله يتنفس على صفحات الكتابة كما لو كان كائناً حياً من نبض وروح.. وبين هذا وذاك، ثمة فتاة أوقدت في قريحتي وهج الكتاب.. وهي لا تعلم ذلك حتى الآن”.
وحول مساحة الواسعة التي يحتلها المظلومون والمهمشون والفقراء في كتاباته، يوضح المؤلف “أمضيت فترة لا بأس بها من حياتي بين هؤلاء المهمشين والمظلومين والفقراء، وكنت واحداً منهم، جاورتهم في الأقبية المنزلية التي يعيشون بها، وشاركتهم معاناة رغيفهم المر الذي يكدون للحصول عليه منذ مطلع الفجر لغياب الشمس، إنهم أشخاص حمّلوني أمانتهم، خبأوا دمعات أطفالهم في سطوري. أحسست من قرب بخشونة أكفهم وهم يصافحونني ذات عناء. كنت أراهم عائدين عند المساء وقد سلبهم أصحاب الشأن القوة التي في أجسادهم ولم يبقوا لهم سوى القليل من الجهد بالكاد يكفيهم لتناول العشاء ثم النهوض إلى الفراش كي يستجمعوا قوةً جديدةً يقدمونها في اليوم الثاني قرباناً لأصحاب الشأن”.
وقال إنه من هؤلاء يستوحي شخوصه الروائية، أولئك الذين لا حناجر لهم يصرخون بها، ولا قلماً يكتبون به، فأنا عندما أتحدث عنهم في أعمالي أتحدث عن نفسي السابقة، عن شخص عاش يومه ذات جوع على طبق طعام واحد، وتدثر بثيابه خلال النوم اتقاء البرد لأنه لا يملك ثمن مدفأة. ما أزال أحمل هموم هؤلاء معي وكأنني التقطت لأرواحهم صوراً أعرضها في رواياتي لتصل إلى الناس.
وعن المكان الذي يعتبره أحد الآبار التي نهل منها في بداياته، قال “المكان كائن حي وليس مجرد حجارة مرصوفة، الأمكنة هي بشر سبقونا وتركوا نبضهم وأرواحهم على شكل بيوت وأرصفة ومعالم أثرية، لذلك حين نعجب بالأمكنة فإننا نعجب ضمنياً بالناس الذين أبدعوها، المكان هو أثر إنساني صامت يجب أن نحترمه لأننا نحترم من خلاله الأشخاص الذين أوجدوه لنا”.
وعن الحنين الوطن الذي يظهر جليا في أعماله، يوضح فرزات “الوطن ليس هو الذي ولدنا فيه، بل هو الذي ولد فينا أيضاً. الأوطان تولد فينا حين تمنحنا مساحة تليق بنا، وهذا ما فعلته الكويت معي فاستحقت مني هذا الاعتراف، كما أن الوطن نوعان؛ نوع ننتمي إليه اجتماعياً، وآخر ننتمي إليه روحياً، ومثلما الأول يستحق منا أن نقف معه وندافع عنه، فكذلك هو الثاني، والحنين في أعمالي يتجلى كثيراً لأن الأمكنة تستدرجني دائماً إلى ذكراها. لقد غرستُ في المدن السورية بذور أيامي وعندما أصبحت أشجاراً بدأت أقطف منها لأعمالي”.
وعن الاحتفاء بالغربة في كتاباته، يرى المؤلف أنها تلخص سنين حياته: “فوالدي يرحمه الله كان دائم الاغتراب، فقد كان يعمل مديراً لدائرة السجل العقاري، وفي السابق كان عدد المديرين قلة، فكانوا ينقلوهم من مدينة إلى أخرى، ومنذ ولادتي وجدت نفسي مولوداً في مدينة غير التي نشأ فيها أهلي، فكانت غربتي الأولى التي تفتحت عيناي عليها، حيث أسمع أبناء الحي ينادوننا بالغرباء أو باللهجة التي كانوا يتحدثون بها “الغربتلية”، ولكنهم كانوا لإطفاء معنا جداً”.
ويضيف “استمر هذا الوصف إلى أن كبرنا مع أهل المدينة واندمجنا في لهجتهم وثقافتهم فذهب عنا هذا الوصف، ولكنه ما لبث أن عاد إلى شخصياً حين غادرت أهلي في أولى سنوات عمري للدراسة والعمل في مدينة أخرى، فعاد إلي لقب الغريب، ثم هاجرت خارج سورية وعشت غربتي الجديدة، فكانت حياتي كلها اغترابا، في النهاية انعكست سنوات الاغتراب التي وجدت نفسي في خضمها منذ بداية حياتي على كتاباتي، فالغربة التي أكتب عنها هي مزيج من غربة مكانية ورحانية، فأرواحنا التي تعيش غربة الفهم والأهل والوطن، لا تقل صعوبة عن غربة المكان”.
ويرى فرزات وهو روائي، مسرحي، صحفي، كاتب سيناريو أفلام وثائقية، أن كل هذه الأنواع من الكتابة هي عبارة عن “منزل واحد” له باب واحد مفتاحه الكلمة. التي هي بالأعمال الأدبية أسميها “الماستر كي” ومَن يمتلك هذا النوع من المفاتيح يصبح بإمكانه الدخول إلى كل حجرات الأدب، مضيفا كما هي “آلة العود الموسيقية وهي عبارة عن أوتار لا تتغير، ومع ذلك فالعازف يعطينا عدة مقامات وألحان مختلفة عن بعضها في النهاية هي صادرة عن أداة واحدة هي الأوتار”.
ويضيف هذا الأجناس التي حققت لي جوائز لم يطغَ أي جنس على الآخر في المستوى الإبداعي لأن أي عمل لا أظهره إلى النور إلا بعد محاكمته جيداً فإما أن يخرج من قمقم أفكاري للناس بالشكل الذي أرتضيه لذائقتي أولا، أو أتلفه مهما تعبت به، وحدث أن ألغيت رواية كاملة بعد كتابتها وأعدت تأليفها من جديد، وهي رواية “جمر النكايات”.
ورغم هذه الأجناس الأدبية، قال “أميل للرواية أكثر، وأعشق لعبة سيناريو الأفلام الوثائقية، التي حصلت فيها على جائزتين: ذهبية كبرى وفضية مع تلفزيون دولة الكويت، وأحب فنيات الإعلام والتطويرات التي أجريها بين وقت وآخر على أعمالي في هذا المجال، الإعلام هو مضماري الذي أجري فيه بخيل كلماتي وأفكاري، أحب التحدي في هذا المجال وأسعى للمنافسة فيه من خلال التطوير والتجريب الذي أقوم به، سواء من خلال كتاباتي الصحفية أو وظيفتي كمسؤول مركز إعلامي أو مديرا لقناة البابطين الثقافية. وفي السلم الأخير لاهتماماتي يأتي المسرح فكتاباتي فيه محدودة. أحبذ مخاطبة الجمهور من وراء الشاشة والورق أكثر من المواجهة معه مباشرة. هذا السلوك أنتهجه حتى في حياتي الشخصية، فالمقربون في حياتي الذين أجلس معهم، قلة جدا، رغم الكثير من المعارف الذين يعرفونني من وراء الورق والشاشات”.
ويشير فرزات إلى أنه عندما يشرع في كتابة أي عمل يخرج من مخيلته “النقاد والقراء”، شارحا “لأنني لو وضعتهم في مخيلتي سألتزم بالكثير من الضوابط التي تفسد جموح الرواية.. النقاد والقراء قبل النشر هم لجام المخيلة. أما الذي يكون في مخيلتي أثناء الكتابة، فهما (الأب والأم) اللذان أسعى لإرضاء روحيهما، ثم البسطاء والفقراء، ثم زوجتي”.
وحول إقرار روايته “رأس الرجل الكبير”، على طلبة الدراسات العليا في جامعة سيدي محمد بن عبدالله في فاس، قال فرزات إن تدريس الرواية جاء تحت مقرر اسمه “قواعد الكتابة والتأليف”، وهو ما ارتآه الأكاديمي المغربي د. الشاعر جمال بوطيب مشكوراً لحسن ظنه بأن هذه الرواية تمثل القواعد الصحيحة في الكتابة والتأليف الروائي. من هنا جاء إحساسي بالاعتزاز والثقة.
وحول ترجمة بعض رواياته إلى اللغة الإنجليزية، يعتبر فرزات “أن الترجمة تقدم للكاتب فضاءات أخرى يصل من خلالها إلى شريحة جديدة من القراء ثقافتهم مختلفة وقراءاتهم مغايرة، الأمر الذي يعطيني تقييما لأعمالي بعيون وعقليات جديدة. نحن نحتاج أن نصل للغرب كما وصل هو إلينا.. هذا أسميه توازنا معرفيا”.(الغد)

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني .